رحلة معافر
كل المقالات
قيادة٦ سبتمبر ٢٠٢٦٥ دقائق للقراءة

الثقافة هي ما يصل إلى الطابق 18

عن نطاق السيطرة، ولماذا تتوقف الرقابة عند حدود ما يظهر، وما الذي يقرر الجودة في اللحظة التي لا يراها أحد

سُئل ستيف واين، مؤسس Wynn Resorts، وهو جالس في لاس فيغاس: كيف تتأكد من الحفاظ على المعايير في ماكاو؟ بل كيف تتأكد أن الغرف في الطابق 18 تُنظَّف بشكل صحيح؟

لم يذكر نظام تفتيش، ولا طبقة إدارية إضافية، ولا تقريراً يومياً.

سمّى المشكلة أولاً باسمها: نطاق السيطرة (Span of Control). حين يصل حجم العمل إلى هذا الحد، كيف تغرس معاييرك ونهجك في مؤسسة بهذا الحجم؟ ثم قال إن أهمية هذا السؤال تزداد طردياً مع حجم المؤسسة، وإن له إجابة واحدة فقط: الثقافة.

وأضاف التفصيل الذي يُحذف عادة حين يُقتبس: الثقافة يجب أن تعيش في أعمق مستوى في المؤسسة، عند موظف الخطوط الأمامية. لا في بيان القيم المعلّق في الاستقبال، ولا في عرض التعريف بالشركة، بل عند الشخص الذي يقف أمام العميل حين لا يقف معه أحد.

الكلمة التي يذكرها الجميع

قبل دخولي مجال ريادة الأعمال، قرأت وسمعت كثيراً عن أهم مهام الرئيس التنفيذي. اختلفت القوائم في كل شيء تقريباً، ولم أجد قائمة واحدة لا تذكر بناء الثقافة.

وكلمة واحدة، إن غابت، قادرة على هدم منتجات وشركات ناجحة، خلفها شهور وسنين من تعب التنفيذيين. لا تهدمها دفعة واحدة، بل بالطريقة نفسها التي تُبنى بها: قراراً صغيراً بعد قرار صغير، في لحظات لا يسجّلها أحد.

ومع ذلك، الافتراض الشائع في التنفيذ عكس ما قاله واين تماماً. كلما كبرت الشركة، زادت الرقابة: مشرفون أكثر، تقارير أكثر، تفتيش أكثر، وطبقة إدارية جديدة كلما اتسعت المسافة بين صاحب القرار ومن ينفّذه.

الرقابة تعمل في نطاق واحد

والرقابة تعمل. هذا ليس مقالاً ضدها. لكنها تعمل في نطاق واحد: الخطأ الذي يظهر. الغرفة التي فُحصت، الطلب الذي عُدّ، المكالمة التي سُجّلت.

أما أغلب تجربة العميل فتحدث في لحظات لا يراها أحد. الغرفة التي نُظّفت على عجل قبل وصول المفتش بدقيقة، الطلب الذي خرج ناقصاً في يوم ضغط، الاتصال الذي أُغلق قبل أن ينتهي لأن الطابور طويل. لا يوجد نظام رقابة يغطي هذه اللحظات، لأن كلفة مراقبتها أعلى من كلفة الخطأ نفسه.

والنظام الذي يحاول تغطيتها مع ذلك ينتج مشكلة ثانية أخطر من الأولى: موظفاً يعمل للمفتش لا للعميل. يعرف متى يُراقَب فيتقن، ويعرف متى لا يُراقَب فيكتفي بما يمر.

الأنظمة تقيس الثقافة، لا تصنعها

بالنسبة لي، وأنا ممن يبنون الأنظمة ولوحات المؤشرات ويثقون بها، الأنظمة تكتشف الخطأ بعد وقوعه. تخبرك أن شيئاً حدث، وأين، وكم مرة. وهذا ثمين. لكن القرار الصحيح في اللحظة التي لا يراقبها أحد لا يأتي من النظام. يأتي من موظف يحمل المعيار كقناعة، لا كتعليمات.

الأنظمة تقيس الثقافة. لا تصنعها.

فما الذي يصنعها؟ إن كانت الثقافة تعيش عند موظف الخطوط الأمامية كما قال واين، فهي تُصنع مما يراه هذا الموظف يومياً، لا مما يُقال له في يوم التعيين. ثلاثة أشياء يراها بوضوح: هل شُرح له لماذا المعيار موجود أم اكتُفي بما يجب فعله؟ ما الذي يتسامح معه مديره حين يضيق الوقت؟ ومن الذي يُكافأ فعلاً، الذي يحقق الرقم أم الذي يحقق الرقم بالطريقة الصحيحة؟

نطاق السيطرة يبدأ أبكر مما تظن

حديث واين عن ماكاو قد يوحي بأن هذه مشكلة سلاسل الفنادق الكبرى. ليست كذلك. نطاق السيطرة لا يبدأ عند الفندق العشرين، بل في أول وردية لا تحضرها، وأول طلب لا تراه يخرج، وأول مكالمة لا تسمعها.

وفي هذا الحجم الصغير تحديداً يقع الفخ. صاحب العمل الحاضر يعوّض غياب الثقافة بحضوره: يلاحظ، ويصحّح، ويعيد الشرح. فتبدو الجودة بخير. لكن ما يراه ليس ثقافة، بل نسخة من رقابته الشخصية تعمل ما دام هو في الغرفة. ويأتي التوسع فيضاعف عدد الغرف، لا عدد أصحاب العمل. عندها فقط يكتشف أن ما بناه كان حضوراً، لا معياراً.

ثلاثة اختبارات لا تحتاج استشارياً

وإن أردت أن تعرف أين تقف مؤسستك اليوم، فثلاثة اختبارات تُنجز في أسبوع واحد:

اسأل "لماذا". اسأل موظفاً في الخطوط الأمامية لماذا هذا المعيار موجود. إن أجاب "لأن الإدارة تطلبه"، فالثقافة لم تصل بعد. إن شرح أثره على العميل بكلماته هو، فقد وصلت.

غياب المشرف. راقب ما يحدث للجودة في اليوم الذي يغيب فيه المشرف. ما ينخفض في غيابه لم يكن ثقافة، كان رقابة. وما يبقى كما هو، هو ما تملكه فعلاً.

الخطأ المُبلَّغ. عُدّ الأخطاء التي أبلغ عنها موظف بنفسه قبل أن يكتشفها العميل أو المفتش. هذا الرقم أدق من أي تقرير تفتيش، لأن الموظف الذي يبلّغ عن خطئه يخبرك أن المعيار عنده أهم من صورته أمامك.

في مؤسستكم اليوم؛ ما الذي يحدث لجودة العمل في الساعة التي لا يراقبها أحد؟

المصادر

  • مقطع من مقابلة متلفزة مع Steve Wynn، مؤسس Wynn Resorts. الاقتباس منقول عن الترجمة العربية للمقطع المتداول، لا عن النص الإنجليزي الأصلي.

يتبع

عودة للمقالات