رحلة معافر
كل المقالات
قيادة٦ سبتمبر ٢٠٢٦٥ دقائق للقراءة

تحمّل المسؤولية في الـ DNA

عن الصفة التي لا يعلّمها المنصب، ولماذا لا يستطيع من لا يتحمّلها أن يحاسب غيره

في صفات القائد مدارس كثيرة: علم أم موهبة؟ مكتسبة أم فطرية؟ تُبنى بالتدريب أم تولد مع صاحبها؟

كلها سليمة، وتستحق القراءة.

بالنسبة لي، صفة واحدة مقتنع أنها فطرية، ونادراً ما تكون مكتسبة: تحمّل المسؤولية (Accountability). إما أنها في الـ DNA، أو أن ما يُكتسب منها لاحقاً لا يصل إلى المستوى الذي يحتاجه المنصب.

المسؤولية ثلاث، لا واحدة

مسؤولية القرار. القرار الذي اتخذته بنفسك، حين تأتي نتيجته عكس ما وعدت به. لا يُطلب منك أن تكون مصيباً دائماً، بل أن يكون القرار الخاطئ قرارك، باسمك، وأن تكون مراجعته مسؤوليتك أيضاً.

مسؤولية الفريق الذي معك. كيف تحميه وتطوّره، وتتعامل مع كل فرد فيه كشخص مسؤول منك بكل احتياجاته، لا كآلة عليها أن تنتج. والحماية هنا أن يُصحَّح الخطأ داخل الفريق، وأن يواجه العميلَ أو المستثمرَ القائدُ، لا الموظف.

مسؤولية المستثمر. مهما كان المال جريئاً، ففي النهاية ثقة المستثمر فيك وفي فكرتك هي مسؤولية. رأس المال الجريء يعرف أنه قد يخسر، وهذا لا يخفف شيئاً؛ ما دخل على أساس ثقة يُرد على أساس وضوح، في الأخبار الجيدة والسيئة معاً.

والاختبار على الثلاثة بسيط. اسمع الجملة الأولى التي يقولها القائد حين يفشل رقم. إن بدأت بـ "السوق" أو "الفريق" أو "الظروف" قبل أن تبدأ بـ "أنا"، فقد حصلت على إجابتك.

من لا يتحمّل مسؤوليته لا يستطيع أن يحاسب غيره

وهنا السبب في أن هذه الصفة تحديداً حاسمة أكثر من غيرها.

القائد لا يُطلب منه أن يتحمل المسؤولية وحده، إنما أن يخلق المساءلة في فريقه: لكل نتيجة صاحب، ولكل صاحب توقّع مكتوب، ولكل توقّع مراجعة. وهذا لا يبدأ إلا من أعلى.

لماذا؟ لأن الفريق ينسخ الجملة الأولى التي يسمعها من قائده بعد الفشل. إن سمع "السوق"، سيقول هو في اجتماعه التالي "القسم الآخر". وإن سمع "أنا اتخذت القرار وسأراجعه"، صار من الطبيعي أن يقول الشيء نفسه عن مهمته.

المحاسبة من قائد لا يتحمل مسؤوليته تُقرأ لوماً، لأنها فعلياً كذلك: توزيع للنتيجة على الآخرين مع إعفاء للنفس. أما المحاسبة من قائد يبدأ بنفسه فتُقرأ معياراً واحداً يُطبَّق على الجميع، وهو أول من يخضع له.

وطريقة التحقق من ذلك في أي فريق: اسأل عن آخر رقم فُقد، ثم اسأل من راجعه. إن كانت الإجابة الثانية اسماً، فالمساءلة موجودة. وإن كانت قسماً أو ظرفاً، فليست موجودة، مهما كُتب في قيم المؤسسة.

ماذا تقول الأرقام

في مسح شمل 23,068 موظفاً في الولايات المتحدة، قُيّم القادة على سبع كفاءات قيادية: التفكير النقدي، تطوير الأفراد، قيادة التغيير، التواصل بوضوح، إلهام الآخرين، بناء العلاقات، وخلق المساءلة. وتعريف الأخيرة في المسح حرفياً: "تحميل الجميع مسؤولية الأداء الاستثنائي".

القادة قيّموا أنفسهم، والمديرون الذين يعملون تحتهم قيّموهم. والنتيجة:

  • خلق المساءلة جاءت في المرتبة الأخيرة من السبع، في التقييمين معاً.
  • 46% فقط من القادة يرون أنفسهم متميزين أو استثنائيين فيها. أعلى كفاءة، التفكير النقدي، بلغت 66%.
  • وحين سُئل المديرون عن قادتهم، انخفض الرقم إلى 30%.

واللافت أن الفجوة بين ما يراه القائد في نفسه وما يراه مديروه فيه هي الأضيق في هذه الكفاءة تحديداً: 16 نقطة، مقابل 21 إلى 29 نقطة في الكفاءات الست الأخرى. بعبارة أخرى، القادة يعرفون أنها نقطة ضعفهم، أكثر مما يعرفون عن أي ضعف آخر لديهم.

والأثر لا يقف عند القائد. المديرون الذين قالوا إن قادتهم متميزون في المساءلة كانوا أكثر انخراطاً في عملهم بثلاثة أضعاف غيرهم: 51% مقابل 17%. المساءلة تُقاس كسلوك للقائد، وتظهر نتيجتها في الطبقة التي تحته.

المسح نفسه يربط ضعف المساءلة بتراجع وضوح التوقعات، وهو من أكثر العناصر انخفاضاً في قياسات الانخراط الأخيرة. والتوصية التي خرج بها محددة: توقعات أداء مكتوبة تعرّف ما هو الأداء الاستثنائي، ومحادثة أسبوعية بين المدير وكل فرد في فريقه، ومساءلة تُمارس نظاماً ثابتاً لا استثناءً يُستدعى عند الخطأ.

ثلاثة اختبارات قبل السيرة الذاتية

لهذا يصعب أن أقتنع أن من تهرّب من المسؤولية في حياته الصغيرة، سيتحمّلها فجأة في منصب. والعكس صحيح.

وإن كنت تختار قائداً اليوم، لمنصب أو لشراكة، فثلاثة اختبارات لا تحتاج أكثر من مقابلة واحدة:

أولاً، فشل باسمه. اطلب قصة فشل كان هو سببه، لا الفريق ولا السوق. من تحمّل مسؤولية فعلاً يملك قصة جاهزة، وعادة ما يرويها بتفاصيل أكثر مما تحتاج. ومن لم يجد واحدة، فهذه إجابة.

ثانياً، الضمائر. راقب حديثه عن عمله السابق. النجاح "نحن" والتعثر "هم"؟ هذه إجابة ثانية. وما تبحث عنه هو العكس: النجاح "الفريق"، والتعثر "أنا".

ثالثاً، خطأ أمام عميل. اسأله عن آخر مرة أخطأ أحد فريقه أمام عميل. ما الذي فعله هو، لا ما فعله الموظف. ومن وقف أمام العميل بنفسه ثم صحّح الخطأ داخل فريقه، هو من سيخلق المساءلة لاحقاً من غير أن يُطلب منه ذلك.

الثلاثة تُنجز في مقابلة واحدة، وتكشف ما لا تكشفه السيرة الذاتية.

في تجربتكم؛ ما الصفة القيادية التي ترونها في الـ DNA أكثر مما تُكتسب؟

المصادر

  • Gallup, Accountability Is Leadership's Greatest Weakness — Jim Harter وCorey Tatel، نُشر في 19 مارس 2026. مسح Gallup Panel شمل 23,068 موظفاً بدوام كامل أو جزئي في الولايات المتحدة، أُجري بين 5 و19 أغسطس 2025، هامش خطأ ±1 نقطة مئوية.

يتبع

عودة للمقالات