رحلة معافر
كل المقالات
ذكاء اصطناعي٣٠ يوليو ٢٠٢٦٦ دقايق للقراءة

متى ستنفجر الفقاعة

في مطلع سنة ٢٠٠٠, طرحت شركة اسمها Pets.com نفسها في البورصة الأمريكية.

كانت شركة بتبيع أكل و مستلزمات حيوانات أونلاين. جمعت الشركة تمويل بحوالي ٣٠٠ مليون دولار على مدار حياتها القصيرة. و بعد ٢٦٨ يوم بالظبط من الطرح, من فبراير لنوفمبر ٢٠٠٠, كانت قد أُغلقت و اتصفّت, و السهم اللي بدأ بأحد عشر دولار بقى بـ 19 سنت في اليوم اللي وقفت فيه.

الصورة الأكبر: فقاعة الدوت كوم

Pets.com كانت مجرد مثال صغير في موجة أكبر بكتير اسمها فقاعة الدوت كوم.

في أواخر التسعينات, أي شركة تحط كلمة "دوت كوم" في اسمها كانت الفلوس تنهال عليها, بغض النظر عن إنها بتكسب ولا حتى عندها خطة تكسب. مؤشر ناسداك, اللي بيجمع أغلب شركات التكنولوجيا, وصل لقمته عند ٥٠٤٨ نقطة في العاشر من مارس ٢٠٠٠. و من هناك بدأ الانهيار. في أكتوبر ٢٠٠٢ كان المؤشر قد نزل لـ ١١٣٩ نقطة, بخسارة قدرها ٧٨٪ من قيمته. و احتاج المؤشر ١٥ سنة كاملة, عشان يرجع لمستواه الأول.

حتى أمازون, اللي بقت النهارده واحدة من أكبر شركات العالم و أول شركة تتخطى قيمتها تريليون دولار, سهمها في الأزمة دي نزل من حوالي ٩٥٪. كان فيه ناس كتير وقتها متأكدة إنها مش هتكمّل.

النهاردة نفس الطرح موجود

فريق بيقول الذكاء الاصطناعي برضه فقاعة, و هتنفجر, و الناس هتدرك إنه ملوش لازمة أو ان العائد أقل من الاستثمار. نفس الهوس, نفس التقييمات المنفوخة, نفس الفلوس اللي بتتحرق, و في الآخر نفس النهاية.

و فريق تاني بيقول لأ, ده مختلف. الأداة دي حقيقية, و بتشتغل, و بتغيّر حاجات فعلًا, و مفيش فقاعة من الأساس.

و أنا شايف إن الفريقين بيتكلموا و هما خالطين حاجتين مع بعض. علشان الرؤية تبقى أوضح, خلينا نسأل الأول: هي ايه الفقاعة أصلًا؟

يعني ايه فقاعة

الفقاعة لا تعني إن الحاجة نفسها وهم. الفقاعة تعني إن سعر الحاجة ابتعد كتير عن قيمتها الحقيقية, لأن الناس بتشتري و هي متوقعة إن السعر هيطلع أكتر و بس, مش لأن القيمة اللي وراه تستاهل. الدوت كوم كانت فقاعة, و مع ذلك الإنترنت كان حقيقي. الاتنين حصلوا في نفس الوقت, سعر منفوخ فوق, و تكنولوجيا حقيقية تحت.

عشان كده لما حد يقولي الذكاء الاصطناعي فقاعة, بسأله: انت بتتكلم عن سعر الأسهم, ولا عن الأداة نفسها؟ لأن دول سؤالين مختلفين تمامًا, و الإجابة عليهم مختلفة.

خلينا نبص على كل فريق بأرقامه.

حجة الفريق المتشكك

الفريق اللي شايف إننا في فقاعة عنيفة فيه أسماء وزنها تقيل, و معاه أرقام مش سهل تتجاهلها.

على رأسهم مايكل بيري, المستثمر اللي اشتهر إنه توقّع أزمة الرهن العقاري في ٢٠٠٨ قبل ما تحصل, و اتعمل عنه فيلم. بيري رجع دلوقتي و فتح مراكز بيع (رهانات على الهبوط) ضد شركات في قلب موجة الذكاء الاصطناعي زي Nvidia و Palantir, و وصف اللي بيحصل بإنه "إدمان جماعي", و قال إن اللي بيحرّك السوق هو الخوف من تفويت الفرصة

و مش بيري وحده. حتى بنك التسويات الدولية, و هو بمثابة بنك البنوك المركزية في العالم, أصدر تحذيرًا من إن أسواق الذكاء الاصطناعي فيها ملامح فقاعة ممكن تنفجر.

و أقوى ورقة في إيد الفريق ده هي حجم الإنفاق. الشركات الكبرى بتضخ مبالغ خيالية في بناء مراكز البيانات, تقديرات بتحطها فوق ٦٠٠ مليار دولار في سنة ٢٠٢٦ وحدها, و ده إنفاق بيفوق التدفق النقدي اللي بيدخل, يعني بيتموّل جزء منه بالاستدانة. و فيه قلق متزايد من "التمويل الدائري", يعني إن نفس الشركات بتدفع لبعض: طرف بيستثمر في طرف, و الطرف التاني بيرجع يشتري منتجات الأول, فتبان الأرقام كبيرة بس هي في جوهرها بتدور في دايرة مقفولة.

و في وسط كل ده, في رقم واحد بيلخّص القلق: OpenAI, أشهر شركة في المجال, وصلت لإيراد سنوي متوقع حوالي ٢٥ مليار دولار, و مع ذلك هامش تشغيلها كان سالب ١٢٢٪ , يعني بتخسر أكتر من دولار في مقابل كل دولار إيراد بتحققه. الرقم ده وحده كفيل يخلّي أي حد يقف يفكّر.

حجة الفريق المدافع

بس لو وقفت عند الأرقام دي بس, هتفوّتك النص التاني من الصورة, و النص ده كمان بالأرقام.

الفريق اللي شايف إن ده مش زي الدوت كوم بيقول إن الفرق الجوهري هو إن القيمة الحقيقية موجودة و بتتحقق من دلوقتي, مش مجرد وعود على المستقبل. و أحسن طريقة تختبر بيها الكلام ده إنك تمشي على سلسلة الذكاء الاصطناعي كلها, حلقة حلقة, من تحت لفوق, و تسأل في كل حلقة: مين بيكسب هنا, و بكام؟

رحلة في السلسلة: مين بيكسب فعلًا

نبدأ من تحت, من الرقائق. Nvidia هي قلب الطبقة دي, و أرقامها تقول كل شيء. في الربع الأول من سنتها المالية ٢٠٢٧, حققت إيرادات قدرها ٨١ مليار و ٦٠٠ مليون دولار في ربع واحد, منهم ٧٥ مليار من مراكز البيانات وحدها, بنمو ٨٥٪ عن السنة اللي قبلها. و الأهم من حجم الرقم هو جودته: هامش ربحها الإجمالي كان حوالي ٧٥٪. دي مش أسهم بتطير على أمل, دي شركة بتطبع أرباح حقيقية على منتج الناس بتتزاحم عشان تشتريه. للمقارنة, سيسكو, نجمة فقاعة الدوت كوم, كانت في ذروتها بتحقق جزءًا بسيطًا من الكاش ده.

نطلع درجة, للذاكرة. الـ GPU مايشتغلش من غير نوع خاص من الذاكرة اسمه HBM, و ده خلّى شركات زي SK Hynix تعيش أفضل أيامها. في الربع الأول من ٢٠٢٦, سجّلت الشركة الكورية إيرادًا قياسيًا يقارب ٣٥ مليار و نص دولار, بنمو يقارب ١٩٨٪ عن السنة اللي قبلها, و بهامش تشغيل حوالي ٧٢٪.

نطلع درجة تالتة, لمراكز البيانات. دي الطبقة اللي بيتصرف فيها المبالغ الرهيبة, و هنا بالظبط بيقف فريق المتشككين. الشركات الكبرى, أمازون و جوجل و مايكروسوفت و ميتا و أوراكل, رصدت مجتمعة إنفاقًا يقارب ٦٧٠ مليار دولار في ٢٠٢٦ وحدها, تقريبًا ضعف اللي اتصرف في ٢٠٢٥. رقم مخيف لو بصيت له لوحده. لكن اللي بيوازنه إن نفس الشركات دي بتقول إن مشكلتها مش قلة الطلب, بل عجزها عن تلبيته. مايكروسوفت أعلنت إن عندها طلبات على خدمتها السحابية بقيمة ثمانين مليار دولار مش قادرة تنفّذها لنقص الطاقة الكهربائية. يعني المشكلة مش إنهم بيبنوا و محدش جاي, المشكلة إنهم مش لاحقين يبنوا.

نطلع للطبقة الرابعة, مطوّرو النماذج نفسها. هنا الصورة مختلطة عن قصد. Anthropic قفز معدل إيرادها السنوي من حوالي تسعة مليار دولار في آخر ٢٠٢٥ لحوالي سبعة و أربعين مليار دولار بحلول مايو ٢٠٢٦, يعني تضاعف أكتر من خمس مرات في أربعة شهور, نمو ما شفناش له مثيل. و في نفس الوقت, OpenAI بإيرادها اللي حوالي خمسة و عشرين مليار كانت بتخسر أكتر من دولار على كل دولار إيراد. الطبقة دي فيها طلب حقيقي هائل, و فيها كمان حرق نقدي هائل, و الاتنين صح في نفس الوقت.

و نوصل لفوق خالص, للتطبيقات اللي اتبنت فوق النماذج, زي Lovable و Cursor. و الواقع في الطبقة دي هو أغرب جزء في الحكاية. Lovable, و هي أداة بتخلّيك تبني تطبيقات بالذكاء الاصطناعي, وصلت لمعدل إيراد سنوي حوالي أربع مئة مليون دولار في مطلع ٢٠٢٦, بعد ما ضافت مئة مليون في شهر واحد, و ده بفريق من مئة و ستة و أربعين موظف بس, يعني إيراد يقارب تلات مليون دولار عن كل موظف. Cursor, أداة البرمجة, وصلت لحدود المليار دولار إيراد سنوي. أرقام كانت مستحيلة قبل سنتين.

فلما تبص للسلسلة كلها, بتلاقي حاجة واحدة مشتركة: في كل طبقة تقريبًا, في أرباح حقيقية بتتحقق دلوقتي, مش وعود على المستقبل. ده وحده فرق كبير عن الدوت كوم, بس مش ده أهم فرق.

أهم فرق, و ده جوهر كلامي, إن الهامش مش بس عالي, هو كمان بيتحسّن مع الوقت.

خد Nvidia مثالًا. هامش ربحها الإجمالي كان حوالي ٥٧٪ في سنتها المالية ٢٠٢٣, طلع لحوالي ٧٢٪ في ٢٠٢٤, وصل لحوالي ٧٥٪ في ٢٠٢٥, و فضل ثابت عند المستوى العالي ده. يعني على مدى تلات سنين, الشركة مبقتش بتكسب أكتر و بس, بقت بتكسب بكفاءة أعلى على كل دولار مبيعات. و في طبقة النماذج نفسها, تكلفة تشغيل نموذج بنفس مستوى الذكاء بتنخفض بمعدل يقارب عشرة أضعاف كل سنة, و ده معناه إن الهامش هناك مرشّح يتوسّع كمان مع الوقت.

و دي بالظبط الإشارة اللي ما كانتش موجودة في فقاعة الدوت كوم. هناك كانت الشركات بتنمو في الإيراد و هي بتخسر أكتر كل ما كبرت, الهامش كان بينزل مش بيطلع, أو مكانش موجود من الأساس. هنا العكس: كل ما مرّ الوقت, بيتحسّن الاقتصاد تحت, مش بيسوء. و اقتصاد بيتحسّن هامشه سنة ورا سنة مش سلوك فقاعة, ده سلوك صناعة بتنضج.

خلاصتي

رأيي الشخصي .

أعتقد إن تصحيحًا لأسواق المال قادم, و قد يكون عنيفًا. التقييمات المنفوخة هتتظبط, و التمويل الدائري لما يتفكّك هيوجع, . لكن ده بالظبط دور التصحيح: بيفصل الشركة اللي مبنية على هوا عن الشركة اللي مبنية على إيراد و هامش حقيقي. ( ودي الطريقة عموما اللي وول ستريت بتكسب بها الفلوس ) لو السهم فضل طالع للأبد، محدش هيكسب لأن محدش هيخسر

و في نفس الوقت, و ده هو الجزء اللي بيغيب عن فريق المتشككين, الشركات القوية اللي عندها أساس حقيقي هتخرج من التصحيح ده أقوى, و هتتطوّر أكتر و أكتر, و الذكاء الاصطناعي هيفضل مسيطر, و هيبقى من أعظم الابتكارات اللي مرّت على البشرية. أمازون خرجت من انهيار الدوت كوم و هي أضخم, و صارت بعدها أول شركة تريليون دولار. القاعدة مش جديدة.

ليه أنا ميال لل الشق التاني ده؟

لأني لما أقعد أفكّك الأسباب اللي بتُقال ضد الذكاء الاصطانعي نفسه, مش ضد أسعار الأسهم, بلاقي أغلبها بيحكم على شكلها اليوم, مش على المسار اللي هي ماشية فيه.

بيقولوا إنها مكلّفة أكتر من الإنسان. صح, اليوم, في حالات كتير. لكن دي مشكلة توقيت لا مشكلة جوهر. أي تكنولوجيا بتبدأ غالية و بترخص مع الزمن, زي دقيقة المكالمة الدولية في التسعينات مقابل اليوم, و زي الإنترنت أيام الـ dial up مقابل الآن. و في حالة الذكاء الاصطناعي, السرعة أعلى: تكلفة تشغيل نموذج بنفس مستوى الذكاء بتنخفض بمعدل يقارب عشرة أضعاف كل سنة, حسب تحليل شركة a16z. الحجة بتقدم في السن و هي بتتقال.

و بيقولوا إن مخرجاتها متكررة و شكلها واحد و غير احترافي. دي كمان حكم على اللحظة. في مجال الفيديو مثلًا, في ٢٠٢٣ كان مقطع مولّد لممثل بيأكل مكرونة مادة للسخرية, بوجه مشوّه و حركة غير طبيعية. بعد سنتين و نص فقط, بقى نفس النوع من المقاطع شبه واقعي بنماذج زي Sora. اللي محتاج تحكم عليه مش النسخة الحالية, لكن سرعة التحسّن. تخيّل الخمس سنين الجاية.

و بيقولوا إنها بتهلوس و بتطلع معلومات غير دقيقة. حقيقي, و ده كمان بيتحسّن نسخة بعد نسخة, و الأدوات اللي بتراجع و بتمسك الخطأ بتتطور معاها.

كل حجة من دول, لما تبصلها من زاوية الزمن, بتلاقيها بتوصف مرحلة, مش سقف

في النهاية, السؤال اللي يستحق إنك تقف عنده مش "هتنفجر الفقاعة أم لا". السؤال الحقيقي هو إنك تعرف تفرّق بين السعر و القيمة, و تفهم إن التصحيح ليس نهاية التكنولوجيا, بل تنقية ليها. الشركات تسقط, و الفكرة تبقى

يتبع

عودة للمقالات