في واحد من اجتماعات التقييم السنوي، و بعد ما خلصنا الكلام الرسمي، قولت للشخص اللي قدامي حاجة مش موجودة في ورق التقييم
قولتله، السنة الجاية كمل زي ما إنت، عايزك تفضل تخالفني في الرأي، متخافش، ومتغيرش طريقتك، أنا معجب بيها جدا
ممكن تكون جملة غريبة في اجتماع تقييم، لأن الطبيعي إن الكلام يكون عن اللي المفروض يتحسن. بس أنا وقتها ما كنتش عايز أحسّن حاجة فيه، كنت عايز أطمّنه إن اللي بيعمله دا مش هيتحسب عليه
أنا ما اتولدتش صاحب عمل
اشتغلت موظف سنين، و اتدرجت في الوظيفة خطوة خطوة، و في الطريق دا شوفت مديرين كتير، و شوفت طباع مختلفة جدا
شوفت المدير اللي بيكره أي حد يعارضه، سواء في السر أو في العلن
و شوفت المدير اللي كان يتصل بيا قبل أي اجتماع مع إدارة أعلى، علشان يأكد علينا إحنا منتكلمش و منعارضش. يعني الاجتماع كان بيتحضّر قبل ما يبدأ، علشان نطلع منه بصورة كويسة، مش علشان نطلع منه بأحسن قرار
و شوفت المدير اللي بيحاول يعمل من اللي تحته نسخة منه، mini-me، و بيتفاخر بكدا قدام الناس و يعتبره نجاح في التطوير. و الحقيقة إنه ما طوّرش حد، هو بس عمل لنفسه نسخ تانية تقوله نفس الكلام
و شوفت ثقافات قديمة عفا عليها الزمن، شايفة إن الاتفاق دا احترام، و إن الاختلاف قلة أدب
و وقتها عاهدت نفسي إني ما أمشيش في الطريق دا
لكن في حاجة ما كنتش واخد بالي منها. لما بقيت أنا في المكان دا، اكتشفت إن سكوت الناس مش دايما بيجي من مدير بيخوّف. أحيانا بيجي لوحده، من غير ما حد يعمل حاجة غلط
إنت كمؤسس أو كقائد، أسهل حاجة هتحصل لك إن كل الناس توافقك، مش بالضرورة علشان بيجاملوك ولا علشان خايفين منك، لكن لأن الاتفاق معاك أريح. إنت اللي بتقيّم، و إنت اللي بتقرر، فطبيعي إن الواحد يفكر مرتين قبل ما يقولك إنت غلطان
حاجة كدا زي ما ChatGPT يقولك إنت رائع و رهيب علشان قولت له صباح الخير
و إحنا بطبيعتنا عندنا جزء من ال confirmation bias، و هو ببساطة إننا بنحب نسمع من اللي حوالينا نفس الصوت اللي جوانا
الكلام دا مش جديد. عالم النفس الإنجليزي بيتر واسون كان من أوائل اللي درسوا الحكاية دي في الستينات، و لقى إن الواحد لما يكون عنده فكرة، بيدوّر على اللي يأكدها أكتر بكتير من اللي ينفيها. مش لأنه بيغش نفسه، لكن لأن دي طريقة المخ الأسهل
و في الشغل الجماعي في حاجة قريبة منها، عالم نفس اسمه إيرفينج جانيس سمّاها groupthink في السبعينات، و خلاصتها إن مجموعة شاطرة جدا ممكن تاخد قرار سيء، لأن الحفاظ على اتفاق المجموعة بقى عندهم أهم من إنهم يراجعوا القرار نفسه
و دي خطيرة عليك خصوصا في البدايات
في البداية إنت ما عندكش أرقام كتير، و لا تاريخ طويل تقيس عليه، فأغلب قراراتك بتتبني على قراءة للوضع، و القراءة دي محتاجة أكتر من عين. لو كل اللي حواليك بيشوفوا زيك بالظبط، يبقى إنت شايف جزء واحد و فاكر إنه الصورة كلها
علشان كدا خللي بالك من رد فعلك أول ما حد يعارضك قدام الناس، لأن اللحظة دي هي اللي بتقول لباقي الفريق هل ينفع يتكلموا ولا لأ
الناس بتقرا رد الفعل دا أسرع بكتير من أي كلام بتقوله عن ثقافة الشركة. تقدر تكتب في قيم الشركة إن الاختلاف مرحب بيه، و مرة واحدة تقاطع حد و إنت متضايق، الرسالة توصل عكس كدا خالص
و لما تلاقي حد بيفكر بطريقة مختلفة عنك، متحاولش تظبطه على مقاسك، لأن دول الناس اللي هيوروك الحتة اللي إنت مش شايفها
و غالبا هو بيدفع تمن اختلافه جوه الفريق من غير ما إنت تعرف، و دي مسؤوليتك إنت مش مسؤوليته
و لو تحب حاجة عملية تجربها، ما تتكلمش الأول في المواضيع المفتوحة. لو قولت رأيك في أول دقيقة، اللي بعدك هيبقى بيرد على كلامك، بدل ما يفكر من أول و جديد
الشخص اللي قولتله كمل زي ما إنت، مش دايما سهل في القيادة، بس وجوده كان بيفرق معايا
و أنا شايف إن دي مسؤوليتنا إحنا، إننا نخلي الناس تحس إن الاختلاف آمن، لأنهم لو ما حسوش كدا هيسكتوا، و إحنا هنفضل نسمع نفسنا
ومازلنا نتعلم.