بيستوقفني دايمًا طرق تناول الناس لأخبار الذكاء الاصطناعي.
فيه فريق بترتاح لأي خبر سلبي عنه، إنه بالونة منفوخة، إن شركة زي أوبر ميزانيتها للسنة كلها خلصت في النص الأول، إن شركات سرّحت موظفيها عشانه وبقت بتغرم أكتر عشان ترجّعهم تاني، وغيرها من الأخبار اللي كلها بتدور في نفس الفلك.
وفيه فريق تاني على العكس تمامًا، بيشارك كل خبر إيجابي عن الفرص اللي بيفتحها، والأبواب اللي بيقدر يوصّلك لها.
وأنا بتأمل الاتنين، بحس إن كل واحد فيهم مش بس بيتكلم عن الذكاء الاصطناعي، هو كمان بيتكلم عن نفسه، ومن غير ما يقصد بيوريك هو واقف فين منه.
والحكاية دي مش جديدة، ولا خاصة بالذكاء الاصطناعي لوحده. أي اختراع كبير عدّى على البشرية عدّى بنفس الطريقة: مش كل الناس بتشتري الفكرة في نفس اللحظة. فيه شوية بيسبقوا الكل ويجرّبوا وهي لسه في المهد، وبعدهم ناس بتتحمّس بدري، وبعدهم الأغلبية اللي بتستنى لما الحكاية تبان وتثبت، ولحد ما يفضل في الآخر ناس بيتأخروا وبيقاوموا لآخر لحظة.
ده بالظبط اللي وصفه إيفريت روجرز في منحنى انتشار الابتكارات، إن التبني بياخد شكل موجة، بتبدأ صغيرة وتكبر لحد ما توصل للكل. ومعنى ده إن الاختلاف اللي بنشوفه دلوقتي حوالين الذكاء الاصطناعي مش غريب ولا استثناء، ده نفس النمط اللي بيتكرر مع كل تكنولوجيا غيّرت العالم.

والخلاصة اللي بستريّح لها: مش كلنا هنقتنع بالفكرة في نفس الوقت، لكن هييجي يوم كلنا نركب نفس القطر. السؤال مش "هنركب ولا لأ"، السؤال "إمتى"، ومين هيوصل بدري ومين هيلحق في الآخر.
وهنا لازم أكون منصف، الفريق اللي بيتكلم عن التكلفة معاه جزء من الحقيقة. فعلاً فيه فلوس بتتحرق، وفيه رهانات لسه ما بانتش عوائدها. بس ده سؤال تاني غير السؤال اللي شاغلني أنا: مش "السوق مبالغ فيه ولا لأ"، لكن "هل الأداة دي بتغيّر قواعد اللعبة فعلاً، وبتفتح للشخص أبواب ما كانتش مفتوحة قبل كده؟". وأنا لما بجرّبها بنفسي، بلاقي الإجابة أوضح من أي خبر، أيوة، بتغيّر، وبتوسّع اللي يقدر الشخص يوصّل له.
ولو رجعنا للثلاث ناس اللي بدأنا بيهم، هتلاقي إن كل واحد فيهم بيتعامل مع نفس الأداة من زاوية نفسه.
فيه الموظف الخايف على مكانه، شايف الذكاء الاصطناعي تهديد جاي ياخد شغله، فبيتعامل معاه كعدو، وكل خبر بيأكّد خوفه بيريّحه.
وفيه موظف تاني، بنفس الوظيفة تقريبًا، بس شايف فيه فرصة قوية. أداة ممكن تمكّنه، تساعده يبدأ بيزنس خاص، أو يبدأ كارير جديد، أو حتى يتفوّق في شغله الحالي ويعمل أكتر من اللي كان يقدر عليه لوحده.
وفيه صاحب العمل، وأنا منهم، بيبص من فوق، شايف إنتاجية أعلى، وجودة أحسن، ووقت بيتوفّر، ورؤية وقرارات أوضح مبنية على داتا كانت مبعثرة قبل كده.
نفس الأداة، وتلات ناس، وتلات رؤى مختلفة. مش لأن الأداة اختلفت، لكن لأن كل واحد قرّر يشوفها إزاي، ووقف منها فين. وأنا كمؤسس، جرّبت الفرق بنفسي بوجود الأدوات دي، وهي حكاية تستاهل إني أرجعلها بتفصيل أكتر في وقت تاني.
وأنا بتأمل الصورة دي كلها، بيجي في بالي تشبيه بيلخّص الموضوع عندي.
الذكاء الاصطناعي زي حصان جامح. قوة كبيرة وطاقة عالية، بس محتاجة فارس. الفارس الماهر يعرف يسيطر عليه ويوصّله لمكان ما كانش يقدر يوصّله بقدمه لوحده. وفارس آخر، مش عارف يمسك اللجام، بيقع، وبعدها بيقول إن الحصان غبي.
والحاجة دي مش كلام نظري بالنسبالي، أنا شفتها بعنيّا. فيه ناس حواليا مسكوا الأدوات دي وطلّعوا منها شغل باهر، وفيه ناس تانية اتلخبطت وما عرفتش تسيطر عليها، وفي الآخر قالت إن الذكاء الاصطناعي غبي ومتخلّف. نفس الأداة، والفرق كله كان في الفارس، مش في الحصان.
وعشان كده أنا مش بشوف نفسي محتاج أتقن كل أداة لوحدها. أنا محتاج أبقى زي المايسترو، اللي مش بيعزف كل آلة في الأوركسترا بإيده، لكن بيعرف يوجّهها كلها عشان تطلع أحسن نغمة. في التسويق مثلًا، مش لازم أفهم كل تفصيلة في كل أداة، المهم أعرف أشغّل الأدوات صح وأخليها تشتغل مع بعض.
فلو إنت في بداية طريقك، وعندك عشرين أو خمسة وعشرين سنة، نصيحتي إنك تتعلم تركب الحصان ده من دلوقتي، لأنه بيوسّع اللي تقدر توصّل له أكتر من أي حاجة تانية في وقتنا.
وفي الآخر، الخبر السلبي والخبر الإيجابي مش هما اللي هيحددوا مكانك، إنت اللي هتحدده. السؤال مش "الذكاء الاصطناعي كويس ولا وحش"، السؤال إنت واقف منه فين، وإنت متأكد إن ده رأيك فيه فعلًا، ولا بس صورة لمكانك إنت.